الشيخ محمد رشيد رضا
137
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قلبية علمية كما قال ابن جرير وقيل بمعني النظر والمعني ألم ينته علمك أيها الرسول أو لم تنظر إلى هؤلاء الذين أعطوا نصيبا أي حظا وطائفة من الكتاب الإلهي كيف حرموا هدايته واستبدلوا بها ضدها فهم يشترون الضلالة باختيارها لأنفسهم بدلا من الهداية ويريدون أن تضلوا أيها المسلمون السبيل أي طريق الحق القويم كما ضلوا فهم يكيدون لكم ليردوكم عن دينكم إن استطاعوا والتعبير بالنصيب يدل على أنهم لم يحفظوا كتابهم كله وذلك أنهم لم يحفظوه في زمن انزاله عن ظهر قلب كما حفظنا القرآن ولم يكتبوا منه نسخا متعددة في العصر الأول كما فعلنا حتى إذا ما فقد بعضها قام مقامه البعض الآخر بل كان عند اليهود نسخة واحدة من التوراة هي التي كتبها موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسّلام ففقدت كما بينا ذلك في تفسير الآية الأولى من سورة آل عمران ( ص 155 - 159 من الجزء الثالث من التفسير ) وفيه بحث تاريخ كتابتها وحقيقة الموجود الآن منها وبحث كتابة الإنجيل كذلك . ويؤيد ذلك قوله تعالى في كل من اليهود والنصارى « فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » وسيأتي في سورة المائدة فهو تصريح بمفهوم ما هنا ، يقول هنا انهم أوتوا نصيبا أي حظا ويقول هناك انهم نسوا حظا ، فالكلام يؤيد ويصدق بعضه بعضا والتعبير بأوتوا الكتاب في موضع آخر لا يعارضه لان الكتاب للجنس ومن لم يعرف هذه الحقيقة من المفسرين قال إن المراد بالكتاب علمه وقال الأستاذ الإمام قال أوتوا نصيبا من الكتاب لأنهم لم يأخذوا الكتاب كله بل تركوا كثيرا من أحكامه لم يعملوا بها وزادوا عليها والزيادة فيه كالنقص منه فالتوراة تنهاهم عن الكذب وإيذاء الناس وأكل الربا مثلا وكانوا يفعلون ذلك وزاد لهم علماؤهم ورؤساؤهم كثيرا من الاحكام والرسوم والتقاليد الدينية فهم يتمسكون بها وليست من التوراة ولا مما يعرفونه عن موسى عليه السّلام وهم يدعون اتباعه في الدين فالامر المحقق الذي لا شك فيه هو انهم يعملون ببعض أحكام التوراة وقد أهملوا سائرها ففي مقام الاحتجاج بالعمل بالدين وعدمه يذكر الواقع وهو انهم لم يؤتوا الكتاب كله إذ لم يعملوا به كله وانما عملوا ببعضه ، وفي مقام الاحتجاج